سراج الدين بن الوردي

69

خريدة العجائب وفريدة الغرائب

ومن المدن المشهورة المرية « 106 » وكانت مدينة الإسلام في أيام التمكين ، وكان بها من جميع الصناعات كل غريب ، وكان بها لنسج الطرز الحريرية ثمانمائة نول . ولحلل الحرير النفيسة والديباج « 107 » الفاخر ألف نول وللسفلاطون كذلك ، وللثياب الجرجانية كذلك ، وللأصبهاني مثل ذلك ، وللعنابي والمعاجر المذهبة الستور

--> ( 106 ) ألمرية Almaria : كانت باب الأندلس عبر امتداد تاريخه ومن خلالها أقام علاقات انسانية وتجارية مع العالم الاسلامي في القرون الوسطى . أسسها المسلمون عند مرسى روماني الأصل مدركين حسنات خليجه الذي يتيح الرسو كيفما جرت الرياح . منحها الخليفة عبد الرحمن الثالث صفة المدينة في سنة 955 ، فبني مسجدها الجامع الذي كان يتسع لتسعة آلاف مصلي وأنشأ أسوارها . قلعتها ترجع إلى عصر بني أمية وكانت مقرا لأمراء وملوك المرية وهي أفضل ما وصل الينا من صروحها ، فموقعها فوق قمة متطاولة لجبل منعزل يشرف على المدينة والخليج جعل منها معقلا حصينا بامتياز . أما أسوار المدينة التي بنيت ما بين القرنين العاشر والحادي عشر فكان يتخللها ما لا يقل عن ثلاثة عشر بابا . جعل المرابطون من ألمرية أهم مركز تجاري وصناعي وملاحي في الأندلس ، فالمدينة كانت تنتج آنذاك كميات كبيرة من الأنسجة لكثرة المناسج المنزلية التي كانت تقوم عليها النسوة . وفي الآن ذاته قادت المرية التمرد الديني ضد المرابطين وغدت مركز للمتصوفة برز فيه أبو العباس أحمد بن العارف الذي كان له شأن كبير . سقطت المرية في سنة 1147 تحت سنابك جيش قشتالة بقيادة الملك الفونسو الثامن وبمساعدة جيوش قدمت من نافارّا وبيزا وجنوة . واستعادة المسلمين للمدينة أعاد مجرى الحياة إليها فعاودت الصلات التجارية مع شمال إفريقيا والجمهوريات الإيطالية ، لكن شبه الجزيرة بدأت تفقد دورها كموزع للمنتجات ما بين الشرق والغرب ، غير أن عودة المنفيين إليها مثّل دفعا مهما فرمّم المسجد الجامع والقيصرية والترسانات . تبعت المرية في آخر عهودها الأندلسية لمملكة غرناطة قبل أن يستولي عليها النصارى نهائيا في سنة 1489 . مر بالمدينة وأقام فيها رجالات الفكر والعلوم من قبيل الشاعر ابن شرف والمتصوف ابن مسرّة الذي جعل من المدينة مركزا للنساك ، والشيخ الأكبر ابن عربي المرسي ( 1203 - 1165 ) الذي مر بها بعد اقامته في المغرب ، والجغرافي أحمد بن عمر العذري المولود في بلدة دلاية Dallas من كورة المرية والبكري الولبي الذي وضع في المدينة أعمالا مهمة والفيلسوف ابن باجة ( راجع الروض المعطار للحميري ، ص 183 - 184 ) . ( 107 ) الديباج : مشتق من الدبج وهو النقش والتزيين وهو فارسي معرب وهو نوع من الأثواب الحريرية ( المروج 1 / 312 ) .